مصطفى صادق الرافعي
42
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا « 1 » فإن هذا الأحمق قرأها نَجِيًّا فأزالها بذلك عن أحسن وجوه البيان العربي ، ولم يبال ما صنع إذا هو قد انفرد بها على عادة الكوفيين في الرواية . . كما مر في باب الرواية في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب « 2 » . أما بعد هؤلاء الرؤوس ، وبعد أن انطوت أيامهم ، فإن القراءة قد استوثق أمرها ولم يعد للشاذّ وجه ولا أقيم له وزن ؛ إذ كانت قد دونت العلوم في اللغة العربية وفي القراءات . وأخمل الناس أهل الشواذ ، والخلفاء والأمراء فمن دونهم ، واعتدوا لهم السوء والإثم ، ورأوا أمرهم الفتنة التي لا يستقال فيها البلاء ؛ فما زالوا بهم حتى قطع اللّه دابرهم وغابرهم . هذا ، وقد أورد ابن النديم في كتابه الفهرست أسماء كثير من أهل الشواذ في كثير من الأمصار ، فارجع إليه إن شئت تستقصي فيما لا يفيد . قراءة التلحين ومما ابتدع في القراءة والأداء ، هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتنافله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم ، ويقرءون به على ما يشبه الإقناع وهو الغناء التقيّ . . . ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم ( التّرعيد ) وهو أن يرعد القارئ صوته ، قالوا كأنه يرعد من البرد أو الألم . . ( والترقيص ) وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنه في عدو أو هرولة ؛ ( والتطريب ) وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمدّ في غير مواضع المدّ ويزيد في المدّ إن أصاب موضعه ، ( والتحزين ) وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع ، ثم ( الترديد ) وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه .
--> ( 1 ) في سورة يوسف يصف إخوته وقد ذهبوا يتشاورون بعد أن استيأسوا من يوسف حين أخذ إليه أخاه . ومن عرف سياق الآية ثم قرأها لم يجد لها نظيرا في باب التصوير البياني . ( 2 ) اختلف الكوفيون والبصريون أيضا في رسم المصاحف رجوعا إلى قواعدهم المقررة ، وقد كان الأمراء يفزعون إلى الجلة من علماء هذين المصرين في كتابة المصاحف على مذاهب أهل التحقيق ، فيختلف كل فريق في رسمه بعض الاختلاف ؛ من ذلك كتابة « والضحى والليل » فإن الكوفيين يكتبونها بالياء ، ومن مذهبهم أنه إذا كانت كلمة من هذا النحو أولها ضمة أو كسرة كتبت بالياء ، وإن كانت من ذوات الواو . أما البصريون فيكتبونها بالألف خلافا . وقد ناظر المبرد ثعلبا في ذلك بحضرة ابن طاهر ، فقال المبرد لثعلب : لم كتبت ( والضحى ) بالياء ؟ فقال : لضمة أوله ، فقال له : ولم إذن ضم أوله وهو من ذوات الواو وتكتبه بالتاء قال : لأن الضمة تشبه الواو وما أوله واو يكون آخره ياء . فتوهموا أن أوله واو ، فقال المبرد : أفلا يزول هذا التوهم إلى يوم القيامة . . . ؟